حيدر بن عبد الرضا اللواتي
أربعون عاما من التنمية المستمرة في مختلف مناحي الحياة أتت بثمارها اليوم عندما يخرج ألينا تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة للعام الحالي ليعلن أمام الملأ بأن السلطنة احتلت المركز الأول في سرعة معدل التنمية البشرية لعام 2010م على المستوى العالمي، وذلك ضمن متابعة نفس هذه المعدلات التنموية في 135 دولة من مختلف القارات الخمس. لقد صدر يوم الخميس الماضي تقرير الأمم المتحدة تحت عنوان: "الثروة الحقيقية للأمم: مسارات إلى التنمية البشرية" عن أن السلطنة حققت هذا الإنجاز الكبير في البعدين التعليمي والصحي، ليصبح هذا التقرير بعد إعلانها بدقائق قليلة موضع حديث جميع وسائل الإعلام العالمية، حيث بدأت كبريات وكالات الأنباء العالمية بنقل هذا الخبر بسرعة البرق. ومن ثم أصبح حديث المهتمين ومتابعي المنتديات الالكترونية في العالم العربي الذي قلل البعض منهم -وللأسف الشديد- أهمية هذا التقرير، وأن ما تم الإعلان عنه يأتي في إطار المجاملة السياسية للسلطنة، وهم يعرفون جيدا بأن السلطنة بعيدة كل البعد عن هذه الأساليب، وخاصة في تعاملها من المنظمات الدولية التي تعرف جيدا، كما يعرفها الداني والقاصي، تلك الجهود التي بذلتها السلطنة فيما يتعلق بقطاعات التعليم والصحة والقطاعات الاجتماعية الأخرى التي تنظر في شؤون سعادة المواطنين والوافدين في هذا البلد منذ فجر النهضة المباركة عام 1970م.
لقد أكدت وسائل الإعلام التي تناقلت هذا الخبر بأن تقرير الأمم المتحدة يبحث في معدل التحسن الذي حققته السلطنة بالمقارنة مع ما كان عليه هذا البلد قبل عام 1970م. فالكثير ممن عاصروا تلك الفترة يعرفون جميعا خلفيات معدلات التنمية التي كانت تتصف بها السلطنة، ومستوى الخدمات التي كانت متوفرة للمواطنين قبل عام 1970م من مدارس ومعاهد وكليات وجامعات على المستوى التعليمي، ومن مستشفيات ومراكز صحية وعلاجية على المستوى الصحي.
هذا التقرير الأخير يشير أيضا إلى أن نصف المراكز العشرة الأولى في سرعة معدل التنمية البشرية احتكرتها الدول العربية، وهذا أمر جيد، إلا أن السلطنة كانت الأولى على المستوى العالمي، خاصة وأن الكثير يعلمون عنها جيدا بأنها كانت إحدى الدول العربية التي تئن من نقص تلك الخدمات المهمة قبل عام 1970، وأن وضعها كان سيئا جدا، بحيث إن السفر والخروج للتعليم والعلاج في الخارج كان يعد بمثابة جريمة في حق المواطن في بعض الأحيان، خاصة للمرأة العمانية التي ظلت بعيدة عن التعليم حتى عام 1970، وحرمت من السفر للخارج، لتصبح اليوم في قمة المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية والدبلوماسية والعسكرية والرياضية وغيرها. فهناك في القائمة خمس دول عربية أخرى، بجانب السلطنة على المستوى العالمي التي سجلت أكبر قدر من التطور والتقدم في هذا المؤشر مقارنة بنقطة الانطلاق قبل 40 عاما. فالسلطنة استطاعت أن تتحدى هذه الصعاب، من خلال محو الأمية والاستمرار في بناء الصروح التعليمية والصحية لمواجهة الطلب الكبير تجاه هذه الخدمات التي ما زالت تقدم بالمجان لجميع المواطنين الراغبين في الحصول عليها من مختلف مراحل الأعمار.
وفي هذا الصدد يقول جيني كلاغمان معد التقرير الرئيسي: "إن تطور هذه الدول - ومن ضمنها السلطنة - يعود إلى حد كبير "إلى نجاح سياسات التعليم والصحة على المدى الطويل" أكثر مما هو ناجم عن العائدات النفطية، مؤكدا أنه رغم هذا الإنجاز، إلا انه ما زالت أمام العرب تحديات على مستوى المشاركة في الحياة العامة ومحاسبة المسؤولين". فمتوسط العمر، في الدول العربية، على سبيل المثال، ارتفع من 51 عاما في 1970 إلى 69 عاما في 2010 فيما تضاعفت نسبة ارتياد المدرسة مرتين لتبلغ 64%.
أما على المستوى التعليمي في الدول العربية الأخرى، فيرى القائمون على التقرير أن التقدم ما زال سيئ التوزيع، في الوقت الذي مازال انعدام المساواة بين الجنسين في سوق العمل العربي وفي المشاركة في الحياة السياسية أو حتى في قطاع صحة الأم والطفل مستمرا. كما أن النزاعات المسلحة في المنطقة العربية تشكّل عائقا أمام التنمية البشرية حيث تستنزف الكثير من الموارد المالية التي يتم صرفها في أمور لا تعود بالنفع على المواطنين العرب، وإنما المستفيد الأكبر منها هي الشركات الأجنبية الكبيرة والعملاقة التي تخدم اقتصاداتها وتوفر لمواطنيها الكثير من فرص العمل على حساب البطالة التي تنتشر بين المواطنين العرب. فوفقا للتقرير أن النزاعات المسلحة في الدول العربية خلال الفترة من 1990 إلى 2008 بلغت ما معدله 2.05 سنة من النزاع مقابل 0.8 سنة للدول الأخرى حول العالم، وبالتالي فان النتيجة المباشرة لهذه الحروب والنزاعات تنعكس على جوانب التنمية التي يتطلب توفيرها للمواطن العربي. ومن هنا فان المرء يشكر الله سبحانه وتعالى على أن القيادة الحكيمة في السلطنة وبفضل حكمة قائدها جلالة السلطان قابوس المعظم كرست معظم جهودها وما تحصل عليه من الإيرادات السنوية لتعزيز مختلف جوانب التنمية الاقتصادية الاجتماعية وعلى رأسها قطاعا التعليم والصحة اللذان ينالان أكثر المخصصات المالية السنوية في الموازنة العامة للدولة، كما أن هذين القطاعين يعتبران من أكثر القطاعات التي تشغّل وتستقطب أكبر عدد من المواطنين للعمل لديها. كما نالت قطاعات أخرى نصيب الأسد لتعزيز هذه الانجازات مثل قطاع الطرق البرية التي سهلت مهام المواطنين للوصول إلى مقار التعليم والمراكز الصحية للاستفادة من تلك الخدمات.
وإذا كانت السلطنة كإحدى الدول العربية قد حصلت على المركز الأول في سرعة معدل التنمية البشرية لعام 2010 على المستوى العالمي، فان هناك – وللأسف الشديد- دولا عربية أخرى سجلت مراكز متأخرة في هذا السجل نتيجة لحالات عدم الاستقرار السياسي والحروب الطويلة والنزاعات المستمرة التي تشكل جميعها تحديات وعقبات في طريق التنمية البشرية، وتعوق من الجهود التي تبذل في تحسين هذه القطاعات الاجتماعية المهمة التي تمس حياة كل شخص ومواطن عربي نحو التقدم في المجالات العلمية الأخرى وإبعاده عن الفقر والجهل.